خراب التعليم في تونس


في اطار جني الخراب ، الذي يتجلّى اكثر فأكثر من مستوى ، الى ان صنفت في سلمّ الفضيحة ، و في فاجعة فاقت كل التوقعّات في سلك التعليم الأساسي ، اذ اذيع في برنامج تلفزي تونسي تبثه احدى القنوات الخاصة ، حيث دخل مقدم البرنامج الاعلامي  بالصدفة الى احد الاقسام  السنة الرابعة للتصوير بعد الحصول على ترخيص من ادارة المدرسة،  غير ان “المعلم النائب” الذي كان متواجدا في القسم اخفى وجهه ورفض الظهور في البرنامج ، وعندما نظر معدّ البرنامج  الى السبوّرة اكتشف ان المعلم  كتب جملة بالفرنسية فيها اخطاء  فادحة « Les enfant prépare ses valise » ، فسأله  » هل تعلم ان الجملة فيها اخطاء ؟ » ،ارتبك المعلّم و اجابه  « انا فقط اريد ان ادرسهم نطق الحروف » و على واقع الصدمة اجبر معدّ البرنامج على اصلاح ما كتبه المعلّم مع التفسير اللغوي له لمقتضيات التصريف في اللغة الفرنسية (علما ان اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية المعتمدة في التعليم التونسي بجميع مستوياته)

unnamed .

                                      الصورة : مقدم برنامج « يوميات مواطن » يصلح الاخطاء التي كتبها المعلّم 

جملة بسيطة لخصّت صيرورة تدمير تعليم عمومي ، بنته دولة الاستقلال بالدمّ و التضحيات لأنها كانت متيقنة من اهميته القصوى من اجل النهضة العلمية و التقنية و الصناعية ، كما ان العائلات التونسية تولي لتعليم ابناءها شأنا كبيرا من الناحية المادية و الاحاطة النفسية  و التعليمية ، هذه الفاجعة لم تكن وليدة اللحظة بل هي مسار تام الدلالات على تخليّ الدولة عن ابعادها التعليمية و الصحية و المعيشيّة منذ التسعينات فقد وضع مؤشر جودة التعليم العالمي لسنة 2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تونس في المركز الرابع و الثمانين عالميّا و  السابع عربيًا، في كل من المستوى الجامعي و المستوى الابتدائي ،  وتأتي قبلها الكثير من البلدان التي كانت سابقا خلفها في الثمانينات والتسعينات  ومنها دول إفريقية كانت تعاني الفقر والمجاعة والجهل والحروب وانعدام البنية التحتيّة منذ عقدين فقط.

فقد لوحظ ان التغيير الاكبر لمنحى التعليم عربيا كان من نصيب تونس التي كانت تحتل المركز الأول عربيا والثلاثين عالميا في تقرير 2010-2011. لتتراجع في المقابل بـ 54 مركزا عالميا في السنوات الستة الماضية و تتدحرج لهذه المركز المتأخر بعد عقود ذهبيّة من التفوقّ العربي و الدولي و تكون بذلك تونس قد سجلت اكبر تراجع لمستوى تعليمها في تاريخها .

ففي عودة للمسار التاريخي لمنظومة التعليم التونسية ،و كمدخل عام للنقاش في هذا الموضوع الاستراتجي ، فانّ دولة الاستقلال راهنت بكثير الوسائل المادية و المعنوية الى نشر التعليم في كامل البلاد خاصة في المناطق الداخلية و قد ابدى انذاك التونسيون تعاونا لا نظير له مع الدولة ، و تم اقرار اجبارية التعليم و مجانيته للجنسين كما حقق قانون 1958 نتائج هامة اذ انتشر التعليم في اصقاع البلاد بقطع النظر عن سن او جنس المتمدرس الا ان الخارطة التربوية بقيت محدودة كما ان ظاهرة الانقطاع المدرسي في مختلف مراحل التعليم لزالت ذات نسبة تعتبر مرتفعة و تتالت هذا القانون محاولات اصلاحية جزئية  في 1963 و 1969 و 1982 و اخرها قانون 1991 الذي ارتكز على الفعل التربوي اي ان الدولة لها اهداف محددة تسعى لتحقيقهامع المحافظة على الاهداف الرئيسية التي تصبو الدولة لتحقيقها كتغطية الخارطة التربوية لكافة الجهات و مقاومة الانقطاع المدرسي و التخفيض من نسبة الامية ومن مكاسب قانون 1991 ان حقق بعض المكاسب منها تعريب التعليم و العلوم و ارتفاع نسبة التمدرس و تقلص نسبة الرسوب و  الانقطاع عن الدراسة ، وقد حقق قانون 1991 فشلا ذريعا في اول اختبار له بعد تسع سنوات على اعتبار ضعف المؤسسة التربوية و سيطرة المنحة الكمّي على العملية التعلمية التعليمية و غيار الاختصاص و التكوين مع غياب الثقافة التقييمية للتجرية السابقة ثم صدر في 2002 قانون اصلاحي جديد يرتكز فعله التربوي على منظومة الكفايات الأساسية التي  الابعاد التالية : تكوين عقول مفكرة بدل حشو الادمغة والتحكم في التكنولوجيا الجديدة و التفاعل الايجابي مع المحيط و ادخال مواصفات الاحتراف على المنظومة التربوية.

كما اوردت ان هذه الازمة التعليمية العميقة تعود الى  ما سُمِّيَ “بإصلاح محمد الشرفي” مرورا بإرساء التعليم الأساسي سنة 1991 حتّى إصلاح 2002 بشعار « مدرسة النجاح لا مدرسة الفشل » ، كما ان المدرسة التونسية اضحت في العقود الاخيرة حقل تجارب لمنظومات تربويّة مستوردة ومسقطة كمنظومة الكفايات التي أجبرت المدرسة الأساسيّة على تطبيقها دون مراعاة لشروطها ومتطلباتها ووسائلها، كما ان فشل النظام الحالي الذي راهن على الانجاح من مستوى الى اخر دون مناظرات هّامة و الارتقاء الآلي ، ما انتج اعدادا هائلة من المتخرجين من الجامعات دون أي مستوى علمي حقيقي ، ما ادى حتما الى اختلال العلاقة الجدلية بين المدرسة و الاقتصاد ، فغياب الخطوط العريضة و تشعباتها في هياكل وزارة التربية  مع تراجع تكوين المعلمين و الاساتذة تحت ضغط الاحتجاجات و النقابات لأجل تشغيل المعطلين عن العمل من اصحاب الشهادات على حساب التكوين و التأهيل.

و حتى نكون على نهج الثورة التعليمية في تونس ، فالتعليم الجديد عليه ان يتبنى فلسفة تربوية جديدة عبر تحديد اهدافه في كل مرحلة و اعادة الاعتبار لمدارس التكوين الحرفي و المهني علاوة على ترك ملكة الطفل تفكر و تنتج و احياء مدارس ترشيح المعلمين و تكوين الاساتذة مع التشديد على مبدأ تكافئ الفرص بين مختلف الطبقات و الجنسين و تحسين الاوضاع المعيشية للاطار التربوي حتى تصبح المدرسة فضاء لحياة مجتمع الغد منتج و فاعل.   

Publicités
En passant | Publié le par | Laisser un commentaire