عمّال الشركة التونسية للكهرباء و الغاز في اضراب تصديّا لشروط صندوق النقد الدولي


منذ الانطلاقة المظفرّة لثورة 17 ديسمبر 2010 التّي توجت بخلع رأس النظّام « زين العابدين بن علي » و بعد ان نجح اليمين الليبرالي في اعادة السيطرة على دواليب الدولة و انعاش نظامه بتحالف مع اليمين الديني المتغلّف بالمدنيّة و الحداثيّة ، و رغم عديد المكاسب التي حققّها الشعب التونسي خاّصة على فرض الحريّات السيّاسية و المدنيّة بنسبة جزئية و حريّة التعبير و الاعلام ، رغم انّ الحملات الارتدادية متواصلة من الاحزاب الحاكمة الممّولة من لوبيّات الفساد في تونس ، الاّ انّها مكاسب تتكرسّ كل يوم اكثر من مرّة في عقليّة و نفسيةّ الشعب التونسي .

هذه المكاسب قابلها تردّي خطير في الوضع الاقتصادي و الاجتماعي على اعتبار التوجّه الليبرالي الذي اعتمدته الدولة التونسيّة منذ السبعينات ، و قد جعل تونس « التلميذ النجيب » في تنفيذ املاءات الصندوق الوطني و وصفها عدد من القادة الاروبيين بأنها « معجزة اقتصادية » و في لمحة تاريخية لا بدّ من الاشارة الأنموذج الاقتصادي العالمي الذي سيطر في فترة الاربعينات الى حدود التسعينات من القرن الماضي كان قائما على تدخل الدولة في الاقتصاد الوطني لتعديله. وكان الهم الأول هو الحد من نسبة البطالة وان كان على حساب الاستقرار المالي، حيث تقوم الدولة بالاستثمار ودفع النمو الاقتصادي. ذلك ان خلق مواطن الشغل يؤدي الى ارتفاع الدخل الفردي وهو ما يدفع عملية الاستهلاك بما يرفع في الطلب وللاستجابة لهذا الطلب الاضافي تنمو الاستثمارات وتحقق بذلك النمو الاقتصادي (لابد من الاشارة الى أن العملية ليست ميكانيكية ومباشرة ذلك ان النموذج الاقتصادي يختزل الواقع بشكل رهيب) ، هذا التوجّه قد حققّ نتائج اقتصادية و اجتماعية مميزّة .

في نقيض ذلك و على إثر أزمة السبعينات ، تحول العالم الى « الليبرالية » أي هي الانسحاب التام للدولة من المجال الاقتصادي و »تحرير« السوق الذي سيجد بآلياته الخاصة توازنه الطبيعي. وهكذا شرعت الحكومات في التفويت في القطاع العام وكفت عن الاستثمار وتراجعت عن مهامها الاجتماعية و اصبح لكل حركة ثمن.

بعد هذا التصدير يهمنّي ان تصاعد الخطى حول الحديث عن » إتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق » (Accord de libre échange complet et approfondi : ALECA)

هذا الاتفاق يعتبر ثاني اكثر برنامج منهجي مدمّر للاقتصاد الوطني التونسي بعد برنامج الاصلاح الهيكلي الذي وقع تطبيقه بداية من سنة 1986 و الذي تسببّ في غلق ألاف المؤسسات المصانع و طرد مئات الالاف من العمّال و تعميق عدم التوازن بين الجهات و مشاكل الفقر و التهميش .

عديدة الشركات العمومية أو لنقل ما تبقّى منها و التي كانت صرحا من صروح الاقتصاد الوطني ، تمرّ اليوم الشركة التونسية للكهرباء و الغاز  بأزمة خانقة على المستوى المالي و الهيكلي و لم يعد خافيا أنّ المتسببّ الرئيسي في هذه الوضعيّة الخطيرة حكومة اليمين الليبرالي برئاسة « يوسف الشّاهد » و الذيّ ما انفكّ على غرار سابقيه باستهداف وقح عبر التكتيك لإفلاسها فالأرقام الأخيرة مفزعة  حيث ان ديون الشركة التونسية للكهرباء و الغاز بلغت حوالي  1100 مليون دينار منها 60 %  متخلّدة بذمة المنشآت و الدواوين و الوزارات هو ما يبين تلكؤ الحكومة في ان تستخلص الشركة اموالها و 40% متخلدة بذّمة المواطنين  كما ان الدولة لم تلتزم بالدعم المرصود في الميزانية لفائدة الشركة منذ سنة 2015 الى حدّ اللحظة و هو ما أثرّ سلبا على توازناتها الماليّة  ، ، كما انّ شبح الفساد في اسناد عقد طلب عروض لاحد المستثمرين يتعلق بمحطة توليد الكهرباء المرناقية لم يبرح مكانه ، كما اضحى من الجليّ ان الدولة ترفع الدعم تدريجيا على قطاع الكهرباء مما سيؤدي الى تدهور القدرة الشرائية للمواطن و التوازنات المالية للمؤسسة .

يذكر ان الإضراب الذي سيقوم به عمّال الشركة التوّنسية للكهرباء  و الغاز « مؤجلّ » منذ محضر اتفاق ممضى يوم 15 جانفي 2018 بين الاتحاد العام التونسي للشغل و الحكومة ، و هذا الإضراب يأتي لأجل تفعيل محضر الاتفاق الممضى في وقت سابق و محوره كالآتي

صرف مستحقات الشركة من الدعم المرصود لها على أقساط يتضمن كل قسط منها 25% من قيمة الدعم في غرة فيفري و غرة جويلية و غرة اكتوبر و موفى ديسمبر

استخلاص الشركة لديونها العمومية رغم تعهد وزيري المالية و الطاقة و كاتب الحكومة بحمل كافة المنشأت العمومية على سداد كافة الديون المتخلدة بذمتها والمسجلة على ضوء محاضر الاعتراف بدين قبل تاريخ 31 ديسمبر 2017 لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وفي حال عجز تلك المنشآت والإدارات عن خلاص ديونها ستتكفّل الحكومة بخلاصها.

الرجوع الى طريقة شراء الغاز المعتمدة قبل تاريخ جانفي 2015

فتح تحقيق في صفقة اسناد محطة انتاج الكهرباء بالمرناقية بعد شبهات « الفساد » التي تحوم حول كيفية اسناد الصفقة.

هذه المطالب التي يناضل لأجلها باستماتة عمّال الشركة التونسية للكهرباء و الغاز تأتي في وقت تزرح فيه تونس تحت وطأة الضغوطات الإستعمارية الساعية لفرض السياسات التي تخدم مصالحها و عدم مصارحة حكومة يوسف الشاهد الشعب بحقيقة و خطورة الاوضاع الاقتصادية و المالية المترتبة عن تمسكهم بسياسات سابقيهم .

بالموازاة فان حكومة « يوسف الشاهد » ماضية في تنفيذ املاءات صندوق النقد الدولي و على رأسها خصخصة المؤسسات العمومية و تجميد الاجور و الانتداب والتقليص من عدد عمال الوظيفة العمومية، إلى جانب تقليص موارد صندوق دعم المواد الأساسية، فضلا عن البند الأبرز المتمثل في « إصلاح المؤسسات العمومية الخاسرة والتي تعاني خللا ماليا وكلفة مالية عبر خصخصتها »، حيث تزعم الحكومة بأن الخصخصة ستوفر أرباحا للدولة تؤمنها هذه المؤسسات، وذلك عبر الضرائب التي سيدفعها القطاع الخاص.

و يذكر ان الاتحاد العام التونسي للشغل قد دعى في اجتماعه في صفاقس يوم 15 افريل 2018 الى التصدي الى نيّة الحكومة التفويت في بعض المؤسسات العمومية التي تمر بصعوبات مالية و مشاكل تسييرية .

946039788547b7b90b234ac1207db55f_XL

Publicités
En passant | Publié le par | Laisser un commentaire