الغزو العربي لشمال إفريقيا ( أرقام ودلائل )


 

Image

 الغزو العربي لشمال إفريقيا ( أرقام ودلائل ) بقلم الطيب ايت حمودة

 

 

نشر تحت

المحتوى

الغزو العربي لشمال إفريقيا ( أرقام ودلائل ) بقلم الطيب ايت حمودة

ارتأيت جمع المشتت من المعرفة ، وبناء فكرة مجملة على موضوع الغزو العربي لشمال إفريقيا ، قصد قراءته قراءة موضوعية وفق منظور أفقي وعمودي ، قد نصل من خلاله معا إلى استنتاجات تظفي على الموضوع أبعادا جديدة ، ولكي يتسنى ذلك لا بد من حصر القيم المعرفية وتجميعها في أفكار ، وبالأفكار نبني علائق وتعميمات وقد نصل في الأخير إلى استخلاص عبر نتوكأ عليها حينا ، أونسترشد بها مستقبلا لوزن مقدراتنا وقيمنا الذاتية التي تحتاج فعلا إلى تثمين وتقويم.

***أرقام مبهمة….. لكنها ناطقة

1) الإعتقاد الذي رسخه العربان ، ومن سايرهم من ذوي العرفان ، أن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب تم سلما وبضربة واحدة قاصمة حاسمة، ومارسوا الطمس والإخفاء قدر الإمكان قصد التمكين لأنفسهم وذويهم، وكثيرا ما قالوا بأن الإسلام نشروه سلما بين الأمازيغ ، وما جاءوا إلا محررين وناشرين لديانة رحيمة تدعوا للإخاء والتسامح والمحبة ، وأثبت التاريخ عكس ذلك كله .

2) استمرت عملة غزو إفريقية مدة طويلة قدرها المؤرخون بأزيد من سبعين سنة ( 70 سنة ) أي من 25 هجرية إلى غاية نهاية ولاية موسى بن نصير عام 95 للهجرة ، في حين أنها لم يزد غزو مصر عن عامين ، والشام عن سبع سنين ، فالغزو العربي للشام ومصر كان فاصلا في سنواته الأولى في حين تأخر عندنا لأسباب مختالفة كنا قد تعرضنا لبعضها خلال معالجة الغزوات الثمانية المرصدة .

3) الغزوات العربية الإسلامية الثمانية لبلاد ( تمازغا). حدثت في عهد حكم ستة من الخلفاء ، راشدي واحد ( عثمان بن عفان)، وخمسة من خلفاء بني أمية ( معاوية بن أبي سفيان ، يزيد بن معاوية ، عبد الملك بن مروان ، الوليد بن عبد الملك ، سليمان بن عبد الملك ) ، وتتابع ثمانية من أمراء الجند سميت عادة الغزوات بأسمائهم ، هم ( عبد الله بن أبي سرح 27 للهجرة ، معاوية بن حديج 45 للهجرة ، عقبة بن نافع على فترتين 50 هجرية و62 هجرية ، أبا المهاجر دينار ، 55 هجرية ، زهير بن قيس البلوي 69 للهجرة ، حسان بن النعمان 74 للهجرة ، موسى بن نصير 85 للهجرة .

4) وظف الغزاة عددا هائلا من الجند النظامي والمتطوعة ، ومن الفرسان الخيالة والمشاة ، قد تصل ترسانتهم الإجمالية إلى ما لا يكفيها العد ، والمؤرخ العربي يتلاعب غالبا بالأرقام ، فيجعل العدو دائما متفوق على العرب المسلمين من حيث العدد بعشر مرات غالبا ، ألف ضد عشرة الآف ، عشرة الآف ضد مائة ألف … فالأرقام غير مضبوطة والتواريخ لا تطابق فيما بينها غالبا ، وأكثر الغزوات تعدادا في جندها حسب المصادر ، غزوة حسان بن النعمان لغرض محو هزيمة زهير بن قيس البلوي ، والقضاء على مقاومة ديهيا ، بلغ تعدادها أزيد من أربعين ألفا من جند الشام ، وبمجرد نهاية الغزو يتبخر الجند عائدا إلى المشرق أو أنطابلس ، حتى القيروان لم تكن معسكرا حقيقيا إلا ما بعد حسان بن النعمان وهزمه لديهيا البترية ، فاستقرار جند العرب المسلمين بالقيروان خلال الحملتين الأخيرتين بدأ فعليا زمن حسان، وتطور في عهد ولاية موسى بن نصير خاصة بعد خلق قاعدة متقدمة بطانجة تولى القيادة فيها طارق بن زياد.

5)غادر الغزاة إفريقية وانسحبوا منها كلية ، خلال الغزوتان الأولى والثانية ، لأن قادة الغزوتين جاءوا للإرتزاق من مغانم افريقيا ، وأنساهم ذلك بُعد نشر الإسلام ، فمجرد ما ينتهي الإنتهاب ويتضخم المُجمّعُ من السبيي والمغانم العينية ، يزداد خوف العربان من هجمات مرتدة قد تضيعُ عليهم ما جمعوه ، فلهذا يسرعون الخطى للعودة بما أفاء الله عليهم من خيرات إفريقيا وأنعامها وأسلابها ، وتراجع العرب ثلاث مرات كرها ، بعد مقتل عقبة ، حيث فروا من القيروان باتجاه أنطابلس بليبيا ، ونفسه تكرر بعد مقتل زهير بن قيس البلوي على يد البزنطيين ، وكذا انهزام حسان بن النعمان الذي لا حقته ديهيا حتى حدود إفريقية الشرقية. ومن هنا يتضح بأن العرب المسلمين ارتدوا نحو الشرق خمس مرات ، فكانت القيروان بلا معنى إلى غاية زمن حسان في حملته الثانية ، وموسى بن نصير الذي استقر العرب المسلمون فيها بقوة ، أما قبلها فكانت المدينة مربضا للأهالي المسلمين بمختلف ألوانهم ونحلهم دون الجند .

6) تبعية إفريقيا تأرجحت بين التبعية لوالي مصر ثلاث مرات ، ( عبد الله بن سعد ، ابن مخلد الأنصاري ، عمر بن عبد العزيز) وإلى الخلافة الأموية المباشرة حيث يتكفل الخليفة نفسه بتعيين وعزل أمراء الغزوات على إفريقية ، تعيين الخليفة معاوية بن ابي سفيان لمعاوية بن حديج ، و عقبة بن نافع في عهدته الأولى ، و تعيين الخليفة يزيد بن معاوية لعقبة ثانية بعد عزل أبي الهاجر دينار ، وعبد الملك بن مروان يعين زهير بن قيس البلوي ، ثم حسان بن النعمان .

7) كثيرا ما ساءت العلاقات بين والي مصر عبد العزيز بن مروان ، شقيق الخليفة عبد الملك ،وقادة الغزو في إفريقية ، فالوالي كان ينشد الهيمنة على هذه الولاية الجديدة لما تدره من منافع ، وهو ما أحدث تصادمات مع أمراء الغزو ، واتضح ذلك جليا في عهد زهير بن قيس البلوي ، وعهد حسان بن النعمان . بحيث أن الكثير من أنعام إفريقيا ومغانمها وسبيها يُسلب جزء مهم منه في مصر قبل وصوله إلى دار الخلافة في دمشق بجمركة مسبقة (حقوق المرور) ،ويذكر التاريخ أن حسان بن النعمان مرر القطع الفضية مخفية في قرب الماء ، لضمان وصولها وإيصالها لخليفته عبد الملك بن مروان .

8) الغزوات العربية الموجهة لغزو شمال إفريقيا تباينت في أهدافها وإن تشابهت في أساليبها ، التي طبعها القهر والتقتيل والسبي والنهب لخيرات البلاد ، فالأولى منها كانت تبحث على المغانم على طريقة ( أسلب واهرب ) ، وأخرى انتقامية خالصة كالتي قادها زهير بن قيس البلوي للقضاء على آكسل قاتل عقبة بن نافع في تهودة ، أو حملتا حسان للقضاء على ديهيا البترية المقاومة الشهمة للوافدين باسم الإسلام والإسلام من أفعالهم بريء، أما الغزوتين الأخيرتين ففيهما نفحات مما يعرف في التاريخ بالغزو الإستيطاني ، أي التمكين للوافدين على حساب الأهالي المحليين .

9)أطول الغزوات زمنا ، وأكثرها تأثيرا هي الغزوة الأخيرة ( غزوة موسى بن نصير ) التي استمرت زهاء العشر سنوات ، (95/85) ، فهي فعلا غزوة التحكم في زمام الأمر ، وغزوة الإستقرار النهائي ، وإخضاع الأمازيغ للإمر الواقع ، وتجنيدهم كمرتزقة لخدمة أجندة الدولة الأموية العسكرية التوسعية في القضاء على جيوب المقومة الأمازيغية بالإخضاع القسري والترهيب والقتال ، أو أسلوب الرهن في حالات الخضوع وطلب الصفح ، لضمان الهدوء وعدم التفكير في التمرد على الأوضاع .

10) الغزوات العربية لشمال افريقيا كانت تصادم عسكري ، فلا أثر فيه للحضارة والدين ، فكل ماكان هو غزو وسلب ونهب وقتل ثم تراجع عن المكان دون أثر يذكر ، فلا تأثير ولا تأثر ، فالعلامات الدالة على نشر الإسلام غائبة تماما إلا ماندر ( غزوة أبا المهاجر دينار ) ولا ذكرلها في المصادر والمراجع المعتمدة ، فالجهد كله موجه للقتل والقتال والمغانم والسبي ، فلا فقهاء ، ولا دعوة صريحة ، ولا لقاءات سلمية حميمية بين المسلمين والكفار لإفهامهم فحوى هذا الدين الجديد .

*** مدلولات لها معنى ….. وبلا عاطفة.

إن هذه الأرقام المرصدة ، والمقارنات المعقودة ، قد تصل بنا إلى دلائل مستفزة ، قد لا يقبلها بعضنا لانغراس قناعات في وجدانه يصعب انمحاؤها أو التنكر لها، ولو هي من سقيم الفكر ، ونحن لسنا هنا للإنتقاص من عظمة الإسلام ولا من تعاليمه المتسامحة الرحيمة ، وإنما الغرض تبيان الخطأ البشري وسعيه الدؤووب لجعل الدين خاضعا له ، خادما طيعا طائعا لمساعيه الدنيوية ولو هي دنيئة ، وقراءتُنا للفعل لن تقبل من الكثيرين لأنها شذت عن قراءات سابقة مطبلة ومؤيدة ، جعلت من المدنس مقدسا ، ومن المقدس مدنسا ، فكل من خالف المنهج ولو بالدليل والبرهان يعد شاذا وناقص دين ، كما أن أقوالنا لا يجب أن تحسب بأنها ضد الأجناس ،وإنما هي موجهة للأفعال التي قام بها البشر الذي لا عصمة له ، وكثيرا ما أحاط الناس أنفسهم بسياج قدسي كاذب لحماية أنفسهم من زلات الزمان ، وهو ما سنستخلصه من الأرقام الصماء المتحولة إلى ناطقة .

*المشرق والمغرب .. تصادم أم تفاعل ؟

استقراء التفاعلات القائمة بين مجتمعين مشرقي يحمل دينا جديدا بأبعاد عقدية واجتماعية وانسانية وحضارية ، ووسيلته هي الجهاد الهجومي بأسلوبه القتالي الدموي شعاره مستخلص من القرآن بفهم نكوصي وتأويل فاسد لقوله تعالى في الآية 29 من سورة التوبة : [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدي وهم صاغرون ]. وآيات أخريات شبيهة كالخامسة من سورة التوبة القائلة [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ]، ولا غرو أن هاتين الآيتين وأمثالهما نزلتا لعلاج أوضاع آنية في زمنها ومكانها ، وهي مرصدة للجهاد الدفاعي ضد كفار قريش الذين اعتدوا على المسلمين وقهروا الإسلام في بدايات ظهوره وانتشاره ، ولا يمكن التذرع بهما لقهر الأمم الأخرى البعيدة عن محيط إرهاصات ظهور الإسلام وتفاعلاته المتسنجة داخل شبه جزيرة العرب ، فالأمم البعيدة كما هو الشأن بالنسبة للأمازيغ ، إيصال الإسلام إليها يحتاج إلى جهاد حضاري ، وثقافي ، وعاطفي ، تتغلب فيه القدوة والمثل الأعلى ، فهو جهاد شاق صعب المنال لكنه مضمون الفوائد ، غير أن الغزاة أساءوا التقدير، وأولوا آيات الرحمن حسب طبائعم وبدويتهم ، وانتهجوا أساليب إسالة الدم بما يشيب له الولدان ، و هو ما أورث المجتمع المغاربي ردات وتسنجات لا زلنا نعيش آثارها إلى يومنا هذا ، وهو الذي كان تواقا للحرية ، ميالا لقبول الدين الجديد منذ صولات بن وزمار المغراوي الزناتي الذي كلفه الخليفة عثمان بن عفان بتولى نشر الإسلام بين قومه، لو عرف العرب المسلمون الغزاة كيفية إيصاله لهم ؟؟ .

* مفاهيم خاطئة …. بدلالات عكسية .

مفاهيم الفتح والغزو عند بعض العربان تستخدم بالمقلوب ،[ فالفتح] بالتعبير البسيط هي عملية ايصال الإسلام لغيرنا بالطرق السلمية فلا إكراه ولا ترهيب ، ولا قتل ، ولا حجز ، ولا دماء تراق ، كل الأمر يتم عن طريق الإقناع والحجة ، والجدال بالتي هي أحسن ، أو عن طريق الإقتداء والتقدير والإعجاب بصفات تظهر في تعاملات الداعية ، وهو ما كان في انتشار الإسلام في أقاصي آسيا من الملايو إلى جاوة وسومطرة وأجزاء أخرى من الفليبين .

أما[ الغزو] فهو ايصال الإسلام الى ذوينا أو غيرنا بأساليب الإكراه والقتال ، وقد يصل حد القتل ، وما يرافق ذلك من تعد مقرف على النفس البشرية إذلالا وتصغيرا واحتقارا واستعباد ا تحت قناع العبودية والسبي وحتى الجزية فهم يقدمونها صاغرون .

الإسلام وصل إلى أجدادنا في شمال افريقيا على مدار سبعين سنة من الزمن ، استعملت فيه القوة ، وخضع من خضع ، وقاوم من قاوم، وسالت أودية من الدماء عبر أزيد من ثمان غزوات ، سقط من الجانبين الكثير من الأنفس البشرية لا نعلم هل هي في الجنة أم النار ؟

فهل ما وقع فعلا ينطبق عليه تسمية [الفتح ] ؟ أم أن المقصد هو تخفيف من صدمة [الغزو] وترقيقها ، أوتحسين لصورته ؟ القاريء الحصيف والمؤرخ النزيه يسمى الأسماء بمسمياتها مهما كانت قاسية ومستهجنة ، فحروب الرسول سميت غزوات ، وحروبهم في شمال إفريقيا أطلقوا عليها الفتح الإسلامي ؟، فالمؤرخ الجزائري مبارك الميلي صاحب كتاب تاريخ الجزائر القديم والحديث يذكر الفعل بالغزو العربي لشمال إفريقيا ، تلك حقيقة شئنا أم أبينا .

* غزو الأعراب لشمال إفريقيا فعل سياسي وليس ديني .

المتتبع لسلسلة تموجات الغزو يكتشف بأن وراء الفعل سياسة دنيوية ، فالغزاة كانوا معينين في الغالب من خلفاء أو ولاة سياسيين لا يحملون من الإسلام إلا الشعار، فدولة بني أمية كلها بخلفائها وأمرائها وقادتها ( باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز )كانت دولة دنيوية همها التوسع وكسب المنافع الدنيوية والجاه ، ولم تجعل نشر الإسلام في أجندتها إلا عرضا ، وأمراء الجند حريصون على تلبية أطماع دار الخلافة من نفائس البلاد المتوسع عليها ، لأنها بقاءهم في مناصبهم مرهون بما يرسلونه بعد أن ينهبوه من أهاليه ، ولهذا لا يمكن تجريم الإسلام باسم هؤلاء الذين أساءوا للإسلام أكثر مما نفعوه ، فعندما تسلب الحقوق من أصحابها ، ويجبر الأمازيغي على بيع أبنائه ، لتسديد الجزية لينعم المشرقي برغد العيش ، وتوزع الدنانير الذهبية بينهم بالقفاف والصاع ، فذاك يدعوا إلى التأمل والتفكير للبحث عن مكمن الخطأ ، هل في الإسلام نفسه أم في المسلم الذي لم يسعفه مخه فهم تأويل آيات الرحمن بما يليق ، خاصة وأنها نزلت بلغتهم وبلسان عربي مبين .

* التاريخ سجل الزمن … الحقائق فيه هي المقدسة .

التاريخ لا يعير كبير اهتمام للمقدس الديني ، فالإمام الطبري رغم ورعه وتقواه ، ذكر في كتابه ( تاريخ الرسل والملوك ) حقائق تاريخية عن المسلمين يندى لها الجبين ، ولا يمكننا القول أنه ناقص دين ، فالأحداث دونت وروجت في الكتب ، فالعارف والمطلع مدرك لذلك ، أما المستنكر والمستهجن عن جهالة وجهل ، والذي يلتجأ أحيانا إلى السب ورمي الناس بتهم باطلة فذاك مرده أنه ناقص علم بما قيل ، فالحادثة الواحدة قد تنتابها تفسيرات متنوعة بتنوع المفسرين لها ، لكن الحادثة تبقى كما هي دون تغيير .

* تمزق المجتمع الأمازيغي …. بين مؤمن وكافر .

بدخول العرب المسلمين عدوة المغرب المعروف آنذاك باسم (إفريقية) ، تشتت المجتمع المغاربي ، بين مسلم كافر ، فالمسلم اتصف بصفات العرب ولبس لباسهم ، وتجند في صفوفهم لضرب إخوانه في الوطن ، ومهما كانوا فهم من الموالي العجم ، فهذا مولى عقبة ، وذاك مولى زهير ، وآخر مولى حسان ، والمولى في العرف العربي دونية و تبعية معنوية ، فكل ما يفعلونه من خير ينسب لسيدهم ، فطارق بن زياد مولى موسى بن نصير ، فبالمفهوم العروبي غزو الأندلس ينسب لموسى بن نصير العربي ، وليس لطارق بن زياد الأمازيغي ، فطارق ذراع لوليه ، وفي حالة الإساءة أو الفشل أو الخسران ، فإن تلك الإساءة واللوم تحسب على المولى وليس على سيده ، أما الباقي من الأمازيغ فهم غير مؤمنين يجوز فيهم القتل والإسترقاق والإستعباد ، فلا خيار سوى أن تكون مثلهم وطوع بنانهم ، وإلا فستطبق عليك آية السيف بأقسى صورها ، ولا يقبل العرب الندية أبدا وإنما يقبلون الدونية والركع السجود، وبذلك استبعدت القيم الوطنية تاركة مكانها للقيم الدينية ، فأصبح مقياس الإيمان والكفر هو ديدن المجتمع ، وتسارعت أقوامنا للبحث في متنفس لها في أرومة العرب ، فعُبدت أسماؤهم وحُمدت تشبها بالمنتصرين ، وكثير منهم ادعى النسب الشريف على شاكلة أبو مسلم الخرساني وابن تومرت ماضيا ، والقذافي حاليا .

* جوهر الغزو … نشر الإسلام أم الغنيمة و نشر العربان .

كل ما أفقهه أن المسلمين مطالبون بنشر الإسلام بالطرق المنصوص عليها شرعا داخل بلاد العرب وخارجها ، وبالطرق السلمية ، ويبدوا أن هذا السلم عمل شاق ومتعب لا فائدة ترتجى منه ، فعمدوا إلى امتشاق السيوف حنينا لماضيهم البدوي وغزواتهم فيما بينهم ، فزحفوا على الجوار فانتصروا ، والإنتصار مشجع على الإستمرار ، وبالإنتصار تدفقت جراء الغنيمة سيول من الأموال ، قيل أن الثراء المغنوم أدى ببعضهم شراء الجارية بوزنها ذهبا ؟ فيذكر المؤرخ العربي أن عبد الله بن سعد في غزوته لأفريقيا عام 27 للهجرة صالحه الأمازيغ على مغادرة بلادهم دون رجعة ، بذهب وزنه قدر بثلاث مائة قنطار ، فكان سهم الفارس العربي منها 15 كلغ ذهبا خالصا والجندي الماشي أخذ مايقارب 5 كلغ ( راجع معلومات الغزوة الأولى 27 للهجرة )، فيبدوا أن العرب المسلمين عندما وصلت جيوشهم مشارف إفريقية بهتوا حائرين ، وقد يكونوا وضعهم شبيها بما أورده الشاعر العراقي إليا أبو ماضي قائلا : جئت لا أعلم من أ ين ؟ ولكني أتيت ، ولقد أبصرت طريقا قدامي فمشيت، وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت ، كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري ؟؟؟

فكانت أفعالهم تخالف معتقدهم ، ففي الأول غزو ونهب وسلب ، ثم رجوع بلا فعل ينبؤ بأنهم جاءوا لتغيير معتقدات فاسدة ، ونشر بديل لها بين جموع البشر ، لأن استراتيجية الفعل الأول تختلف حتما عن استراتيجية الفعل الثاني ، فلوا قصدوا نشر الإسلام لكانت مقدمتهم جموع الدعاة والفقهاء وأهل الخير ، ولكانت أياديهم تحمل المصاحف العثمانية لتوزيعها على الناس بعد ايمانهم وتعليمهم ، ولركبوا الناقة بدل الحصان ، ولأرسلوا دعاتهم على عجل لكل بقاع إفريقية يعرفون بدينهم ….. غير أن السيف سبق العذل، أو سبق السيف العذل كما يقول المثل العربي . فقد أغوتهم الدنيا بطرائفها فاستحوذوا على البلاد وجلبوا إليها في حملات متتابعة اليمنية والقيسية ، فاستبدلوا نهج نشر الإسلام بمنهج جديد هو نشر العربان في شمال إفريقيا ، ما دام هناك عبادٌ لهم قابلية الإستعباد حسب رأي مالك بني نبي .

* الحقائق المغيبة … سلاح لإصلاح المعوج .

كثيرا ما يقال بأن النبش في التاريخ مدعاة للفتنة ، وأنه عفا الله عم سلف ، وأن من الحقائق ما يجب إخفاؤه عمد ا، حتى لا يصاب المجتمع بصدمة ونكسة ، تقديري أن الأخطاء وسوء النية يجب كشفهما ، لأن التاريخ بحدين ، وهو لا يرحم ، فما أخفي قد بان واتضح ، والهدف من تبيانها وكشف المستور منها أو عرضها بطرق مغايرة هو اثبات بأن النظر بعين واحدة عمل قاصر ، وأن كشف الأخطاء وإدراك نتائجها يبعث على تجنب الوقوع في نفس الخطأ ، فتغييب الرأي الأمازيغي في كتابة تاريخه مجلبة للضرر ، وتقصير للنظر ، فلولا ابن خلدون لما كان لنا تاريخ ، وإن كان فهو بتصور غيرنا لا تصورنا ، فالأسبان لهم مؤرخون أفذاذ صاغوا التاريخ الأندلسي بعقليتهم لا بعقلية العربان ، وكان مسلمهم ( ابن القوطية ) نسبة إلى القوط مقارع ومصدر مهم لرؤية رأي الأسبان فيما وقع في بلادهم ، إلا نحن ، إمعية مفرطة ، وببغائية مقلدة ، ولو قلنا فإن أقوالنا تصطدم بجدار صد من ذوينا مؤدلج منذ 14 قرنا ، يجعلنا من الكفرة الفجرة ، ويعجبني قول ابن حزم مغتاظا من الشرق وهو يقول( أنا الشمس في جو العلـوم مـنـيرة ، ولكن عيبي أن مطلعي الـغـرب )، فالمشرق والمغرب صراع قديم جديد ، وما نذكره ليس رأيا شخصيا مستقلا ، وإنما هو نابع من قرءات عدة ومن مصادر موثوقة مشرقية إسلامية عربية اللسان والهوى لا تغريب فيها ، لكنها بمنظور مغاربي ، نازع لإبراز الذات المغيبة ، وكشف الطموسات المقترفة التي استعملت فيها كل أساليب الدس والخداع والنفاق ، في تغليب قوم على أقوام بوجه لا حق فيه .

مفصل القول أن حركية الغزو العربي الإسلامي لشمال أفريقيا بتعدد غزواتها الثمانية ، وطول مدتها ( 70 سنة) ، لا يمكن أن تكون فتحا بقدر ما كانت غزو مبينا ، وكل الشواهد دالة على سوء التقدير في فتحها على لسان مؤرخين كبار ، واتضحت مدى ارتجالية الفعل ومدى فداحة الأخطاء المرتكبة المتكررة على الدوام ، فالأخطاء التي ارتكبها الغزاة في الحملة الأولى تكررت تباعا في الغزوات الموالية ، ولم تشذ عنها سوى حملة أبا المهاجر دينار نسبيا، التي كانت متميزة في عملها على نشر الإسلام على أوسع نطاق بين قبائل البرانس ، وهو ما يدعونا إلى طرح سؤال صريح هو : هل الأخطاء المرتكبة أيام الغزو العربي لشمال إفريقيا هي من تعاليم القرآن ؟؟ ، أم أنها من نسج الفقهاء بتأويل فاسد لآيات الجهاد بمرجعية عربية جاهلية ؟؟ أم أن قادة الغزو لم يكونوا في مستوى ايصال الإسلام إلى لأمم الأخرى دون تشويه لأهدافه ومراميه ؟؟

فالخطأ موجود لا محالة ، لكن تحديد المخطيء يحتاج إلى معرفة وإدراك وشجاعة أكبر ، فالأمم الغريبة تزن الإسلام بأفعالنا وليس بأقوالنا ونوايانا ، فهم حاليا يحكمون على الإسلام من خلال أفعال المسلمين في الصومال وأفغانستان والسودان وجنايات الطالبان وشباب الإسلام وبوكو حرام

 

خريطة تبين الغزوات العربية على شمال إفريقيا

خريطة تبين الغزوات العربية على شمال إفريقيا

 

Publicités

A propos soufiene bouzid

لا يهمّ السبب الذي نبكي من أجله ، فقد كانت قلوبنا تمتلئ بالأحزان لدرجة أنّ أيّ شيء يكفي ليكون سبباً ... عبد الرحمن منيف/ شرق المتوسط
Cet article, publié dans l'actu, est tagué . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s